محمد عزة دروزة

364

التفسير الحديث

إذا زنى بأمة . وقد عزا المفسر المذكور إلى السيوطي تفنيدا لهذا القول لأنه لا يتفق مع نص الآية . والتفنيد في محله . ولقد كانت حالة الإماء وتعرضهن للبغاء هي السبب الذي جعل حكمة التنزيل تخفف عنها الحد على ما شرحناه قبل . وهذا ليس واردا بالنسبة للمماليك الذكور . ولقد وقف بعضهم عند جملة * ( ولا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه ) * فقالوا إن ذلك بسبيل تنفيذ الحد وأنه لا يعني القسوة في الجلد . وأن هذا يجب أن يكون غير مبرح . وقد روى ابن كثير - الذي هو من جملة من ذكر ذلك - أن ابن عمر ضرب جارية له زنت ضربا غير مبرح ، فقال له ابنه كيف تفعل ذلك واللَّه يقول * ( ولا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه ) * فقال له يا بني إنّ اللَّه لم يأمرني أن أقتلها ولا أن أجعل جلدها في رأسها . ولقد أوردنا في سياق تفسير الآية [ 25 ] من سورة النساء حديثا رواه الخمسة جاء فيه « أن النبي أمر بجلد الأمة إذا زنت دون تثريب أي دون قسوة » . بحيث يمكن القول إن ابن عمر أخذ بالسنّة النبوية . والحديث وإن كان في صدد الإماء فإن الأخذ به بالنسبة لكل من يقام عليه حدّ الجلد يكون شذوذا ، واللَّه تعالى أعلم . هذا ويلحظ أن الزانية قدّمت على الزاني في الآية الثانية في معرض عقوبة الجلد ، مع أن القرآن جرى على تقديم الرجل والذكر على المرأة والأنثى بصورة عامة الْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِناتُ [ البقرة : 71 ] والْمُنافِقِينَ والْمُنافِقاتِ والْمُشْرِكِينَ والْمُشْرِكاتِ [ الفتح : 6 ] ولا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى [ آل عمران : 195 ] ووَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ . . . إلخ [ غافر : 40 ] . وفي عقوبة السرقة والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [ المائدة : 38 ] ويتبادر لنا في ذلك حكمة ، وهي أن الزنا المستحق للحد لا يمكن أن يتم إلا بموافقة المرأة ، إذا لم يكن بإكراه الرجل لها . فتكون والحالة هذه سبب الإثم فاستحقت أن تذكر قبل الرجل . وفي حالة الإكراه لا تكون مستحقة للعقوبة على ما مرّ بيانه ، واللَّه تعالى أعلم .